المقريزي
216
المقفى الكبير
فأساء فيهم السيرة . فثاروا به وأخرجوه وكاتبوا ملك الروم ، فبعث إليهم بطريقا فحكم فيهم مدّة ، فلم يصبروا له ووثبوا به وأخرجوه عنهم ، وبعثوا إلى المستنصر يطلبون عفوه ويستصرخونه ، فكتب إلى مستخلص الدولة [ الكلبيّ ] ابن أبي الحسين ، فوليهم مدّة . ثمّ بعثوا يشكون منه ، فسيّر الوزير صمصام الدولة ابن لؤلؤ ، أحد الأمراء - وكان رجلا عاقلا - ومعه خلع نفيسة وأمر [ ه ] أن يصلح ذات بينهم ، فإن رضوا بابن أبي الحسين خلع عليه وقرأ سجلّه بتجديد ولايته . وإن امتنعوا من الطاعة له ، لبس هو الخلعة وقرأ سجلّا كتب له بولاية صقلّيّة ، وأن يتلطّف في إخراج بني أبي الحسين من جزيرة صقلّيّة ويحملهم إلى القاهرة . فسار إلى صقلّيّة وتحدّث في الصلح ، فامتنعوا من ذلك ولم يجد فيهم حيلة . فأظهر سجلّه ولبس خلعته فرضوا به ، وأخرج جميع من كان بصقلّيّة من بني أبي الحسين ، وهم زيادة على ثلاثين رجلا ، وخلت منهم ، فاستقام أمره . [ إرجاعه الصليحيّ باليمن إلى الطاعة ] وبعث الوزير رسله إلى اليمن ، وقد ثار فيها علي بن محمد الصليحيّ ، فما زالوا به حتى دخل في طاعة الدولة وبعث النجاوى إلى القاهرة ، ومعها هديّة جليلة تبلغ عشرة آلاف دينار ، فجاء من ذلك ما ليس في المظنون ولم ير مثله فيما تقدّم . ثمّ إنّه عطف على النوبة وأضعف عليهم البقط ، فحملوه واستمرّ بعده . [ حزمه في معاملة الروم البيزنطيين ] وكانت الهدنة قد انعقدت مع الروم في وزارة أبي نصر الفلاحيّ ، وقدم من قبلهم رسولان ، أحدهما يعرف بابن اصطفانوس هو المتكلّم - وكان داهية أديبا شاعرا نحويّا فيلسوفا نظّارا ، ولد ببلاد الروم ونشأ بأنطاكية ، ودخل إلى العراق وأخذ عن العلماء والأدباء ، فاشتهر ذكره وبعد صيته . والآخر صاحب حرب يعرف بميخائيل ، فأعجبهما زيّ الدولة وكريم أفعالها وجميل سيرتها ، سيّما ميخائيل فإنّه أطربه ذلك ، وكان خيّرا عاقلا . فلمّا عاد [ ا ] إلى بلادهما ، قضت الأقدار بموت متملّك الروم وتملّك ميخائيل هذا بعده ، فأقام في المملكة نحو الخمس سنين . وقصر النيل بمصر في سنة أربع وأربعمائة ، ولم يكن بالمخازن السلطانيّة شيء من الغلال ، فاشتدّت المسغبة ، وغلا السعر ، وكان لخلوّ المخاون سبب : وهو أنّ الوزير الناصر للدين أبا محمد اليازوريّ لمّا أضيف إليه القضاء في وزارة أبي البركات الجرجرائيّ ، كان ينزل إلى جامع عمرو بن العاص بمصر في يومي السبت والثلاثاء من كلّ أسبوع ليجلس في الزيادة منه « 1 » للحكم ، على رسم من تقدّمه من القضاة . فإذا صلّى العصر طلع إلى القاهرة ، وكان في كلّ سوق من أسواق مصر عريف على أرباب كلّ صنعة يتولّى أمورهم . ومن عادة أخباز مصر في أزمنة الغلاء أنّها متى بردت لم يرجع منها إلى شيء لكثرة ما تغشّ به ، وكان لعريف الخبّازين دكّان يبيع الخبز . وبجانبها دكّان رجل صعلوك يبيع بها الخبز أيضا ، والسعر يومئذ أربعة أرطال بدرهم وثمن . فرأى الصعلوك أنّ خبزه قد كاد يبرد ، فخاف من كساده فنادى عليه : أربعة أرطال بدرهم ! [ 363 أ ] ليرغّب الفقير فيه . فمال الناس إليه لأجل تسمّحه بثمن درهم ، واشتروه بأجمعه ، وبقي خبز العريف عشرة دراهم ، فلم يطق ذلك ومضى إلى الجامع واستغاث بقاضي القضاة ، وكان هناك ، فأحضر
--> ( 1 ) أي : في الجناح الذي زيد إلى البناء الأصليّ .